ابن كثير
232
معجزات النبي ص
هؤلاء فإنهم هم الذين يملكون حصونكم العظيمة ، فقالوا : يا نبي اللّه فما الّذي يكون معبودهم ؟ فقال : يعظمون رب العزة فوق كل رابية عالية ، ومن صحف حزقيل : إن عبدي خيرتى أنزل عليه وحيى ، يظهر في الأمم عدلى ، اخترته واصطفيته لنفسي ، وأرسلته إلى الأمم بأحكام صادقة ، ومن كتاب النبوات : أن نبيا من الأنبياء مرّ بالمدينة فأضافه بنو قريظة والنضير ، فلما رآهم بكى ، فقالوا له : ما الّذي يبكيك يا نبي اللّه ؟ فقال : نبي يبعثه اللّه من الحرة ، يخرب دياركم ويسبى حريمكم ، قال : فأراد اليهود قتله فهرب منهم ، ومن كلام حزقيل عليه السلام : يقول اللّه : من قبل أن صورتك في الأحشاء قدستك وجعلتك نبيا ، وأرسلتك إلى سائر الأمم ، وفي صحف شعيا أيضا ، مثل مضروب لمكة شرفها اللّه : افرحى يا عاقر بهذا الولد الّذي يهبه لك ربك ، فإن ببركته تتسع لك الأماكن ، وتثبت أوتادك في الأرض وتعلو أبواب مساكنك ، ويأتيك ملوك الأرض عن يمينك وشمالك بالهدايا والتقادم ، وولدك هذا يرث جميع الأمم ، ويملك سائر المدن والأقاليم ، ولا تخافي ولا تحزني فما بقي يلحقك ضيم من عدو أبدا ، وجميع أيام ترملك تنسيها ، وهذا كله إنما حصل على يدي محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وإنما المراد بهذه العاقر مكة ، ثم صارت كما ذكر في هذا الكلام لا محالة ، ومن أراد من أهل الكتاب أن يصرف هذا ويتأوله على بيت المقدس وهذا لا يناسبه من كل وجه واللّه أعلم ، وفي صحف أرميا : كوكب ظهر من الجنوب ، أشعته صواعق ، سهامه خوارق ، دكت له الجبال ، وهذا المراد به محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وفي الإنجيل يقول عيسى عليه السلام : إني مرتق إلى جنات العلى ، ومرسل إليكم الفارقليط روح الحق يعلمكم كل شيء ، ولم يقل شيئا من تلقاء نفسه . والمراد بالفارقليط محمد صلوات اللّه وسلامه عليه ، وهذا كما تقدم عن عيسى أنه قال : وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ « 1 » ، وهذا باب متسع ، ولو تقصينا جميع
--> ( 1 ) سورة الصف ، الآية : 6 .